2006-09-10

عبد و مخبر و حرامي


عبد و مخبر و حرامي


شاهدت فلم مواطن و مخبر و حرامي عشرات المرّات في إجازتي الأخيرة، كان مفاجأة غاية في الجمال بالنسبة لي، بعد أن فقدت الأمل في السينما الجديدة، و ما يسمّى منها بالنظيفة خاصّة، و مع أني لست ناقدا سينمائيّا إلاّ أنّي لا أغامر حين أعتبر أنّ ماستر سين الفلم، أي أهم مشهد فيه، هو الحوار الذي جرى بين المواطن و المخبر و الحرامي، حين رفض هذا الأخير اعادة الرواية التي ألّفها المواطن و توسّط المخبر لاعادتها اليه بعد أن وصلت للحرامي عن طريق حياة الخادمة.
سبق المستر سين مشهد آخر يتعجّب فيه المخبر من أهميّة الرواية عند المواطن، ذلك أنّه أعاد له كل المسروقات الأخرى الثمينة، أمّا الرواية فثمنها بالنسبة اليه لا يزيد عن جنيهين و يمكن للمواطن أن يشتري أية رواية أخرى، و اقترح عليه بالمناسبة روايات عبير، من تحت سور الأزبكية بجنيه واحد، قاصرا الشر مع الحرامي. مع اصرر المواطن إسترجاع إبداعه، كان اللّقاء مع الحرامي الذي كان قد قرأ الرواية، و وجّه بالمناسبة ملاحظتين للمواطن. الأولى، و هي غاية في الابداع و السخرية، ملاحظة تقنيّة، قائلا له : انت بتكتب في ورق مفرد ليه ؟ فيه كرّاسات كبيرة صفراء بجنيه، ابقى هات لك واحدة اكتب فيها. الثانية و هي الأهم فكانت : هذه رواية كافرة، يعني في عشرين سنة ما شفتش حد صلّى أو صام أو آذان اترفع، ليه، هو احنا موش مسلمين ولاّ ايه ؟ فين العبرة و الحكمة الي في روايتك، ده رواية تافهة. ثم القى بالورق الى النار التي كان يطبخ عليها الشاي لزوم ضيافة المواطن و المخبر.
هذا المشهد يختصر مأساة المثقّفين في هذه الأمّة.
في تكويننا و وعينا، و حتى في نظم تربيتنا "الحديثة" في أغلب دولنا بعد الإستقلال، تكمن بذور هذه المأساة. نحن نرى العالم فقط من منظور ديني، لا غير، و نقرأ التاريخ كجاهلية و إسلام، لا شيئ قبل الاسلام تقريبا سوى الانبياء المسلمين الذين جاؤوا ليبشّروا بالرسول، و لا شيئ بعد الاسلام الدين الخاتم الحق الذي نزّهت كل نصوصه عن التزوير بما فيها احاديث تابعي تابعي الصحابة. في نظم تربيتنا يتخرّج الطالب أحيانا في من الجامعة في سن العشرين، و كل ما تعلّمه قد حفظه ليوم الامتحان و نسيه بعد ذلك، و لا يبقى في لا وعيه سوى طاعة أولي الأمر أوّلا من ممثّلي الله في الأرض و حافظي كلامه، الى ضرورة التكيّف مع المجتمع ذلك أّن نقده و الخروج عنه بدعة، قد تكلّف صاحبها لو تمادى اهدار دمه لردّته.
أعدت دراسة كتب في علم النفس تدرس في الجامعة المصريّة للمرّة الثانية في هذه الاجازة أيضا، و خلصت لنفس النتائج : مأساة مؤكّدة. البعد الديني للمؤلّّف الدكتور عبد الرحمن بدوي حاضر في كلّ صفحة، و دعوته للصوفيّة كطريقة حياة علنيّة لا يخفيها. الأدهى و الأمر، القيمة الثابتة في كل الفصول تقريبا هي أن عدم تكيّف الانسان مع مجتمعه و رفضه هي درجة معياريّة بالنسبة اليه في سلّم المرض النفسي . هذه هي " الثقافة" التي ندرّسها لطلبتنا، لذلك لا استغرب أن منال التي ادّعت النبوّة في مصر كان لها اكثر من 200 تابع منهم اطبّاء و مهندسين. شخصيّا مستعد اتصوّف من اليوم على شرط أن أمر مباشرة الى مرتبة العارف فتسقط عنّي الفروض من صلاة و صيام و يحل لي نكاح ما سيرسله الله لي من تابعات يرغبن في التقرّب من الله بأن يرتمين في حضن الاسلام الذي يمثّله حضني. المأساة لا تزيد عن هذا بكل بساطة، نحن لا نتكلّم عن مواطن و مخبر و حرامي يكوّنون مجتمعاتنا، بل عبد، و مخبر و حرامي.
ثقافة العبيد، هي ثقافة الاسلام، أو هي ما آلت إليه ثقافة الاسلام، بعد أن كانت العبودية لله وحده، صارت لممثّليه على الأرض الذين اعلنوا انفسهم بانفسهم عالمين بنصوصه حاكمين بأمره، عبوديّة لهم بحكم هذه النصوص التي لا يجرؤ الا قلّة على دراستها و نفر أقل على نقدها، قبل أن يأتي الحرامي ليرمي ما كتبوه في النار ليطبخ شايا ذلك أن كلامهم كفر، و الثقافة الوحيدة المسموح بها هي روايات عبير، و السينما النظيفة، النظيفة من كل شيئ و خاصة من تلك العورة التي اسمها اعمال العقل و ترك النقل.
الغريب في الأمر أن أيّة دراسة و لو بدائيّة للتاريخ، و تمعّن في الآثار التي لازالت شامخة للآن، كافية لندرك أن تاريخ هذه الحضارة العربية الاسلامية التي انهارت من قرون ولازلنا مصرين على اعادة بعثها بشكلها القديم لليوم، لا تمثّل الاّ جزءا بسيطا من التاريخ، لا ترقى لعظمة و لا يقارن عمرها بعمر الحضارة الفرعونية، و لا انجازاتها بما اعطته الحضارة اليونانية، أو القرطاجيّة أو الرومانية ، حتى على اراضي الاسلام في شمال افريقيا. كفيلة أن تجعل من القاعدة و دفاع عبد الباري عطوان عن اسامة بن لادن، و استماتة مثقفاتنا في الدفاع عن دونيتهن و تنظيرهن للحجاب و النقاب و سجود المرأة لزوجها على اعتبار انها "في الآخر هتكون ايه يعني"، لبدت كلّ هذه المظاهر عابرة في كلام عابر و ان طال الزمن.
لن أسقط في نفس الفخ و أدّعي أنّي أملك حقيقة مطلقة، أنا فقط أعتقد، الآن ، بأن الهدم و البناء وجهان لعملة واحدة، و أنّنا لكي نبني فلا بد من هدم كلّ هذا القديم و ما تبقّى منه و ليس ترميمه ، لكي يصير العبد مواطنا، فلا يسخر الحرامي من روايته و يحرقها و لا يقول له المخبر، اشتري لك رواية من روايات عبير و اقصر الشر مع الحرامي.

2 تعليقات:

في 9:55 م , Blogger subhia يقول...

عماد
رغم كل هذا المتلبد في سمائنا العربية يملؤني شعور بان التغيير قادم لا محالة وان هذا العقل لن يحتمل العبث به إلى ما نهاية.
وبمثلك تظل البشارة

 
في 9:20 م , Blogger عماد حبيب يقول...


الصديقة العزيزة صبحيّة،
كم أسعدني مرورك و تفاؤلك و كم اعتز بعقليّة مستنيرة كعقليّتك، تحيّة لك و لفلسطين الحبيبة، و لا نامت أعبن تجار القضية و سدنة معابد الظلمات

 

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية