2006-10-01

عري


تاريخ الإنسان هو أيضا تاريخ عريه. سواء أكان واضحا ناصعا كالشمس، أو متخفيّا خلف أستار من نور القمر، بريئا ملائكيّا يلامس الطفولة أو يتّقد رغبة تعجّ حياة أو عهرا، فائق الجمال كامل الأوصاف و كأنّ أنامل الربّ هي التي نحتته و نفخت فيه من صورته فعلا كما في نحت داوود الأشهر عبر العصور لمايكل أنجلو أو مشوّها سرياليا غامضا تكمن في طيّاته حكايات المرايا كما في رسوم بيكاسو، لا شيئ، لا شيئ يزعج أو يحثّ على الحلم، على التفكّر أكثر من جسد عار.


كانت الكعبة محجّ العرب منذ الأزل، يقول الأثر أنها صورة للبيت الذي في الملكوت أنزله الله لآدم حين أنزله الأرض، كان سقفها ياقوتا ارتفع إلى السماء ثانية بعد موت آدم. على مرّ العصور حفلت بنحوت و صور لكل من التمس فيه العرب تقرّبا لله، من صالحين و من أنبياء، كان فيها صورة العذراء مريم مثلا، و كان في جوارها من ناحية الصفا نحت لنائلة الجرهمية. أساف و نائلة من آلهة العرب، و يقول الأثر أهما عشيقان من مكّة مارسا الحب في جوف الكعبة نفسها فحوّلهما الله الى صنمين من حجر كعبرة، لكنّ العرب عبدتهما، في ذلك أكثر من سؤال. نائلة كانت جميلة ، كما كلّ آلهات العرب، لا يذكر شيئ هل كانت صور الآلهة على جدران الكعبة أو نحوتهن داخلها و خارجها كانت عارية، و لكنّ الأكيد أن هناك من العرب من كانوا يطوفون أحيانا عراة تماما حول الكعبة كرمز لتطهّرهم من متاع الدنيا و آثامها. فالمنطق يقول إذا أنّ العري لم يكن له وقتها منزلته عندنا اليوم و لا تحريمه، بل أقرب للفطرة و لطبيعة الإنسان ممّا لا يجعل من الغريب، بل ربّما كان أقرب للظن أن آلهة العرب كانت في صور و نحوت عارية أو شبه عارية.

مع دخول المسلمين مكّة و تحطيمهم كل الأصنام و مسحهم لكلّ الصور، اختفت أحدى أهم أوجه الحضارة عن هذه البقعة من الأرض، و أعني التصوير و النحت. لكنّنا لسنا كلّ الحضارة و لا كلّ الأرض. نحن جزء بسيط من تاريخ البشريّة، و إن كنّا خارج هذا التاريخ من زمن. الصور الشعريّة و الأدبيّة حلّت محل الصور المرسومة أو النحوت. و من الروايات التي تذكر عري الرسول مثلا حين يغتسل و كيف يفعل ذلك، أو حين كان صبيّا في اليمن و سابق سباحة أقرانه بعد أن نزعوا ملابسهم طبعا، إلى أشهر أشعار العرب في الغزل و الحب و وصولا و ليس انتهاء بألف ليلة و ليلة، كان للعري نصيب وافر، طبيعي ، ليس نشازا و لا يمتعض منه أحد و تلك طبيعة الأمور. حتّى سقطت هذه الحضارة في براثن المغول و استيلاء الأتراك على الخلافة و انتصاب عصور الانحطاط و الملابس السوداء و ثقافة الخصيان و الحريم التي اتحفونا بها، و لازلنا بكل سذاجة و بلاهة نلصقها عنوة للحضارة الاسلامية بل و أحيانا للإسلام نفسه و لأصول الدين نفسها.

مع هذه المقدّمة التي آسف لطولها، و لكنّي رأيت أنها قد تساعد على فهم هذا النداء عبر هذه الرسالة المفتوحة التي اوجّهها لكل فنّانات القبح و أقصد المحجّبات العائدات مؤخّرا للعمل الفنّي بعقدهنّ و تخلّفهن و تشويههنّ للفن و افراغه من كلّ مظمون : أرجوكنّ قرن في بيوتكن و حلّوا عن سمانا. هي موش ناقصاكم.

فالتي اغترفت من أموال الفن و تكسّبت من شهرته ، ثمّ لسبب ما أرادت أن تتحجّب و تعتزل و لها كلّ الحق في ذلك، فلتفعل ذلك في صمت لو كانت تبغي وجه الله تعالى حقّا. أمّا أن تعلن ذلك في مؤتمر صحفي، و ترتع بين كل المحافل الاعلامية لتبكي و تذرف الدمع ندما عن اعمالها التي قدّمتها محرّمة للفن (و قاطعة أرزاق أناس يعملون معها أحيانا) فذلك ما لا أفهمه و يدعوا للتساؤل. لكنّ عودتها بعد هذا الغياب مرّة أخرى لنفس الوسط، و لكن بضجيج أكثر من تافه هذه المرّة عن شروطها للسيناريو و المخرج و المنتج بل و حتى ملابس زميلاتها في العمل على اعتبارها ملاكا منزّلا من السماء و حامية حمى الأخلاق و الدين فذلك ما لا يجب أن يمرّ مرور الكرام.

هناك نيّة مبيّتة للقضاء على كلّ أشكال الحضارة التي اتّخذت لها مكانا في القرنين الأخيرين عندنا، و عودة الفنّانات المعتزلات المحجّبات هي احدى اشكال و اسلحة هذه الخطّة المموّلة بمليارات الدولارات
(و أعتذر هنا لمنطق المؤامرة). أساسا لم يعد شيئ يستحق المشاهدة إلاّ ما ندر، فلا داع لأن نمجّد السينما الايرانية التي لم يعقها الحجاب، أي حجاب هذا الذي لم يعق تفوّق هذه السينما و أيّ تفوّق مزعوم هذا، نحن بهذا الشكل نلّمع صورة نظام دكتاتوري قروسطي تيوقراطي، و إن كان أكثر ديمقراطية من نظمنا لاعتماده انتخابات حرة، لكن الانتخابات ليست الديمقراطيّة، هي فقط وسيلة، و الفقيه في ايران له الكلمة العليا لأنه آية الله و ظلّه في الأرض و لتذهب الانتخابات الى الجحيم، فوحياة أبوكم لا يكلمني أحد عن ديمقراطية و تفوّق سينما ايرانية بحجاب.

الشعوب تخطئ أحيانا، و الحضارات تندثر، و ترزخ الأمم لدهور طويلة تحت ليل دامس لا تجد فيه أثر لعدل أو حب أو حياة أو جمال أو عري، فنحن خارج التاريخ، و تاريخ الإنسان هو أيضا تاريخ عريه.

3 تعليقات:

في 2:51 م , Anonymous madness يقول...

monharef D:

 
في 1:41 م , Blogger subhia يقول...

عماد
نعم يا رفيقي ،هو كذلك ولأن القضايا لا تتجزأ - إن اتفقنا على ذلك-فمن الطبيعي أن تحدث هذه "المسخرة "في الفن لدينا وفرضها على العقول البيضاء الجاهزة دائماً لتلقي أي خربشات
وأين للفن أن يجد مساحاته ليخط فيها من جماله ،وسط -هذاالدمار العظيم- في الاقتصاد والسياسة والرياضة والأدب وكل ما يمت للحياة الإنسانية.
ورغم كل ذلك فالجمال أقوى من كل قبح وأبقى
ومنك وفيك بعض منه

 
في 1:45 م , Blogger عماد حبيب يقول...


madness

شبه منحرف قائم الزاوية،
:)
فكرتني بدروس الرياضيات في ابتدائي

شكرا لمرورك


صبحية الصديقة العزيزة

لا يسعني الا الامتنان لمرورك و تشجيعك و ان كان ذلك غير كاف

تحياتي

 

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية